بينما كان غبار المعارك يملأ الأفق، كانت صرخات الاستغاثة تعلو من مآذن "الجزائر" التي لم تعد "محروسة" كما كانت. إليك هذه القصة التي تروي جانباً من تلك الأيام العصيبة بأسلوب إنساني ونابض
في ليلة شاتية من عام 1510، لم يكن صوت الموج هو ما أرّق مضجع "سليم". كانت أضواء المشاعل المنبعثة من حصن "البينيون" (Peñón) الذي شيده الإسبان على صخرة قبالة الساحل، تبدو كعيون وحش لا ينام، تراقب أنفاس المدينة وتخنق تجارتها.
سليم، الشاب الذي كان يحلم بأن يكون صياداً كوالده، وجد نفسه يقف مع رجال المدينة فوق الأسوار العتيقة، ينظرون بحسرة إلى السفن الإسبانية التي تمنع عنهم الرزق والحرية. "لقد صار البحر سجناً يا أبي،" قالها سليم وهو يشدّ على قبضة سيفه الصدئ.
لم يكن الاحتلال مجرد مدافع وسفن، بل كان ضيقاً يسكن القلوب. الأسواق التي كانت تضج بالحياة خمدت، والمؤن بدأت تنفد، بينما كان القائد الإسباني في الحصن يفرض شروطه المذلة على أعيان المدينة. كانت الجزائر في تلك اللحظة مثل طائر جريح، يرفرف بجناح مكسور أمام جبروت "خوان دي مارتين" ورجاله الذين لم يرحموا شيخاً ولا طفلاً.
وفي أحد الصباحات، بينما كان سليم يراقب الميناء، رأى قارباً صغيراً يقترب وسط الضباب. لم يكن يحمل بضائع، بل كان يحمل "الأمل". سرت إشاعة في الأزقة الضيقة كالنار في الهشيم: "الإخوة بربروس في طريقهم إلينا!"
تحولت نظرات الانكسار في عيون الناس إلى شرارات تحدٍ. سليم الذي كان يرى في الحصن الإسباني جبلاً لا يتزحزح، بدأ يرى فيه مجرد حجارة يمكن هدمها. كانت النساء يجمعن ما تبقى من حليّ لدفع تكاليف المقاومة، والرجال يشحذون الفؤوس والسيوف في السر تحت جنح الظلام.
ذات ليلة، والبرق يمزق سماء المتوسط، بدأت المدافع الجزائرية (التي كانت مخبأة بعناية) بالرد لأول مرة منذ سنوات. لم تكن مجرد طلقات بارود، بل كانت زفرة غضب تراكمت في صدورهم لسنوات تحت وطأة الاحتلال. ركض سليم نحو الشاطئ، لم يعد ذلك الشاب الخائف، بل صار جزءاً من طوفان بشري قرر أن يستعيد بحره وأرضه.
انتهت تلك الليلة والرماد يغطي الوجوه، لكن شمس الصباح أشرقت على واقع جديد. الحصن الذي كان يرمز للقهر، بدأ يتداعى أمام إرادة شعب لم يرضَ يوماً بالقيود. عرف سليم حينها أن التاريخ لا يكتبه الأقوياء بأسلحتهم فقط، بل يكتبه أولئك الذين يرفضون الموت وهم على قيد الحياة.